الشنقيطي
207
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وقرأ جمهور القراء هذا الحرف « يوحى إليهم » بالياء المثناة التحتية ، وفتح الحاء مبنيا للمفعول . وقرأه حفص عن عاصم « نوحي إليهم » بالنون وكسر الحاء مبينا للفاعل . وكذلك قوله في آخر سورة يوسف « إلا رجالا يوحى إليهم من أهل القر » . وأول الأنبياء « إلا رجالا يوحى إليهم فاسألوا أهل الذكر . . » الآية . كل هذه المواضع قرأ فيها حفص وحده بالنون وكسر الحاء . والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضا وأما الثانية في سورة الأنبياء وهي قوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ( 25 ) [ الأنبياء : 25 ] الآية ؛ فقد قرأه بالنون وكسر الحاء حمزة والكسائي وحفص . والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضا . وحصر الرسل في الرجال في الآيات المذكورة لا ينافي أن من الملائكة رسلا ؛ كما قال تعالى : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [ الحج : 75 ] ، وقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا [ فاطر : 1 ] الآية ؛ لأن الملائكة يرسلون إلى الرسل ، والرسل ترسل إلى الناس . والذي أنكره الكفار هو إرسال الرسل إلى الناس ، وهو الذي حصر اللّه فيه الرسل في الرجال من الناس ؛ فلا ينافي إرسال الملائكة للرسل بالوحي ، ولقبض الأرواح ، وتستخير الرياح والسحاب ، وكتب أعمال بني آدم ، وغير ذلك ؛ كما قال تعالى : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ( 5 ) [ النازعات : 5 ] . تنبيه يفهم من هذه الآيات أن اللّه لم يرسل امرأة قط ؛ لقوله : وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا . ويفهم من قوله : فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ الآية - أن من جهل الحكم : يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به . والمراد بأهل الذكر في الآية : أهل الكتاب ، وهذه الأمة أيضا يصدق عليها أنها أهل الذكر ؛ لقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [ الحجر : 9 ] الآية . إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب . والباء في قوله بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ [ النحل : 44 ] قيل : تتعلق ب « ما أرسلنا » داخلا تحت حكم الاستثناء مع « رجالا » أيّ وما أرسلنا إلّا رجالا بالبينات ، كقولك : ما ضربت إلّا زيدا بالسوط ؛ لأن أصله ضربت زيدا بالسوط . وقيل : تتعلق بقوله « رجالا » صفة له ، أيّ رجالا متلبسين بالبينات . وقيل : تتعلق ب « أرسلنا » مضمرا دل عليه ما قبله ؛ كأنه قيل : بم أرسلوا ؟ قيل : بالبينات . وقيل : تتعلق ب « نوحي » أيّ نوحي إليهم بالبينات ؛ قاله صاحب الكشاف . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) [ 44 ] . المراد بالذكر في هذه الآية : القرآن ؛ كقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر : 9 ] .